حميد يتظاهر بالنوم.
دخل ليتلها إلى المنزل وهو شارد.
لم يكن شروده عادياً، كذلك الذي ينتابه حين يصطدم بموقف عصيب لمسؤول كبير أقلقه موضوع مقال نشره على موقعه الصحفي، أو تحقيق تناول فساداً ما ونتج عنه تهديد أو غضب يُقدّر حميد عواقبه كلما حدث.
مثل هذا الشرود كان عادياً، مصحوباً ببعض القلق لكنه عادٍ، لا يلبث أن يسترجع ذاته منه، يحوقل بصوت مسموع ثم يهمس بينه وبين نفسه: المحاكم ألفناها، وأتوقع أن يتم قصم ظهري وظهر الموقع الصحفي في أي لحظة وحين.
شروده كان يومها غير عادي.
لم يرد على استفساري عما يريد تناوله كوجبة عشاء، كما أنه لم يلاعب ابنتنا كما دأب على ذلك كلما دخل باكراً قبل أن يغفو إلى النوم.
دخل مباشرة إلى غرفة النوم، نزع ملابسه واستلقى على ظهره فوق السرير.
كان يحملق في سقف الغرفة.
يغمض عينيه قليلاً، ثم يفتحهما دون أن يرمش.
حين طال به الأمر، سألته عما به.
لم ينشر الموقع ما يمكن أن يخلق توتراً بينه وبين من ينتقدهم...
كما أنه لم يسجل حلقته المعتادة التي يبثها من صالون البيت.
لكنه كان شارداً على غير العادة.
نظر إلي بعينيه الجميلتين، وقال: لا شيء، بشرى. لا شيء يستحق الانزعاج.
أشرق وجهه على حين غرة، نفس الإشراقة التي اعتلت سحنته حين جاء يعرض عليَّ حبه حين كنا طالبين في الكلية.
كنت أشعر بتودده إليَّ، بمحاولات تقربه العديدة والمحتشمة، وبغيرته البدوية وهو يراقب علاقاتي مع زملائنا في الدراسة...
وكنت أستلذ كل هذا الذي يصدر عنه اتجاهي...
وفي غفلة مني أحببته.
وكنت بدوري أغار عليه حين أصادفه رفقة زميلة لنا في الدراسة.
أتلصص على اسمه في أحاديث الفتيات، زميلات لي في الدراسة أو في الحي الجامعي، وأستبشر خيراً حين لا يتناولن شخصه بالحديث.
المرة الوحيدة التي جاء اسمه على لسان ابتسام صديقتي، كان بسبب إفحامه لحبيبها في حلقة نقاش طلابي، وكانت تسبه وتنتقص من قيمته بالمقارنة مع خالد عشيقها...
انخرطت بدوري في سب حميد وفي مدح خالد، كنت أفعل ذلك بمكر امرأة تدفع امرأة أخرى للابتعاد عن مجالها الحيوي.
جعلت ابتسام تقاطعني لاعتقادها أنني بمدح خالد كنت أرسم عليه، والحالة أنني كنت أبعدها عن حميد لا غير.
حين اقترب موعد نهاية السنة الجامعية الأخيرة، استجمع حميد قواه، وغالب حياءه وقصدني بشكل مباشر في مقصف الحي الجامعي:
- بشرى، أريد الزواج بك.
- هكذا بدون مقدمات، وأنت المناضل الحداثي، لا كلمات حب ولا غزل؟
- اعتبر ردك رفضاً؟
- الرفض له كلمة لا، ولا يمكنني، ولا أريد. أنا تساءلت فقط عن المشاعر لا غير.
غادر حميد المقصف مرتبكاً، الحمرة تعلو وجهه القمحي، ويداه ترتعشان، قال إنه سيبعث والديه إلى منزلنا، ولي أن أقبل أو أرفض، لي أن أسألهما إن كان هناك حب وغزل وكلام رومانسي أم لا.
لحظتها قفزت كل الفراشات في دمي، أحسست بغباء سؤالي عن الحب وعن الكلام الرومانسي، كانت عينا حميد وكان ارتباكه وخجله أجمل قصيدة يمكن أن يقدمها عاشق بدوي إلى امرأة يحبها.
تزوجنا.
ثم أنجبنا بنتاً.
وغرقنا في حب حميد، وغرق بدوره في حبي.
وها هو اليوم شارد على غير عادته.
وفي عينيه بريق يوم العشق الأول.
انتابني شك للحظة.
لكن وهو يضمني، شعرت بوفائه أكثر.
أبعد وجهي عن وجهه كي يتأمل عينيَّ.
ثم قال لي إن البوعزاتي اتصل به اليوم.
لم يسبق له أن حدثني عن البوعزاتي هذا.
قال إنه كان صديق طفولته، وأنهما ما كانا يفترقان أبداً، وأنهما كانا يحلمان بامتلاك دبابة، وكانا يصنعان حلمها من ورق الكارتون.
البوعزاتي اتصل به اليوم ليخبره بأنه استطاع تحقيق حلمهما باقتناء دبابة، وأنه بصدد إتمام الإجراءات لإيصالها إلى الحدود المغربية، حيث سيتكلف حميد بإدخالها إلى المغرب، واستقدامها إلى سلا، ليضعها في الحديقة قبالة العمارة التي نقطنها.
لم أصدق الأمر في الوهلة الأولى، كيف سيقدمان على إدخال الدبابة إلى المغرب، وكيف سيتصرفان إزاء السلطة، والجمارك، والجيش؟
لم يجب حميد عن أسئلتي، لكن في قرارة نفسي فرحت لأننا سنمتلك دبابة.
